بن عيسى باطاهر

208

المقابلة في القرآن الكريم

ولا يختلف اثنان على أن الوجه البلاغي للإعجاز القرآني هو أهم ما شغل الدارسين قديما وحديثا ، وهو الوجه الذي ذهب إليه أكثر علماء النظر ، فرأى بعضهم أنه شامل للقرآن بكامله ، ويتحقق في الجزء المتحدى به وهو أقصر سورة منه « 1 » . وهذا الوجه البلاغي في إعجاز القرآن الكريم هو الذي جعل الأسلوب القرآني لا يخلق على كثرة الردّ ، ولا تنفد أسراره مع تعاقب الأزمان يعرض الحقّ الذي لا يشوبه باطل ، ويسوق الهداية التي ليس بعدها هداية ، ولقد كان لأسلوبه سلطان على النفوس يشبه السحر « 2 » . يقول الرافعي : « إن القرآن فيه من اللين والمطاوعة على التقليب ، والمرونة في التأويل ، بحيث لا يصادم الآراء المتقابلة التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة ، فهو يفسّر في كل عصر بنقص من المعنى ، وزيادة فيه ، واختلاف وتمحيص ، وقد فهمه عرب الجاهلية الذين لم يكن لهم إلّا الفطرة ، وفهمه كذلك من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل العلوم ، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل ، وأثبتت العلوم الحديثة كثيرا من حقائقه التي كانت مغيّبة . . . وأكبر السبب في ذلك أن هذا القرآن ليس على طبع إنساني محدود بأحوال نفسية لا يجاوزها ، فهو يداور المعاني ، ويريغ الأساليب ، ويخاطب الروح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه ، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية فيه ، حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا ، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحقّ » « 3 » .

--> ( 1 ) محمد بركات أبو علي - في إعجاز القرآن - ط 1 مؤسسة الخافقين : الرياض ، 1983 م - ص 24 . وينظر عبد الغني بركة - أسلوب الدعوة القرآنية - ط 1 مكتبة وهبة : القاهرة ، 1983 م - ص 53 . ( 2 ) بن عيسى عبد القادر با طاهر - أساليب الإقناع في القرآن الكريم - ص 15 . ( 3 ) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - ط دار الكتاب العربي : بيروت - ص 206 ، 208 .